الثعلبي
186
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
قال الكلبي : يعني على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أي في آخركم ومن ورائكم إليّ عباد اللّه فأنا رسول اللّه من بكّر فله الجنة ، يقال : جاء فلان في آخر الناس وآخرة الناس وأقرى الناس وأخراة الناس وأخريات الناس ، فجاز لكم جعل الإنابة بمعنى العقاب وأصلها في الحسنات كقوله : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * « 1 » . قال الشاعر : أخاف زيادا أن يكون عطاؤه * أداهم سودا أو محدرجة سمرا « 2 » يعني بالسود : القيود والسياط وكذلك معنى الآية ، جعل مكان الثواب الذي كنتم ترمون غمّا بغمّ . قال الحسن : يعني بغم المشركين يوم بدر . وقال آخرون : الباء بمعنى على ، أي غمّا على غمّ ، وقيل : غَمًّا بِغَمٍّ ، فالغم الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة ، والغم الثاني ما نالهم من القتل والهزيمة ، وقيل : الغم الأول انحراف خالد ابن الوليد عليهم بخيل من المشركين ، والغم الثاني حين أشرف عليهم أبو سفيان ، وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم انطلق يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة ، فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه فأراد أن يرميه فقال : « أنا رسول اللّه » [ 168 ] ففرحوا حين وجدوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفرح النبي حين رأى في أصحابه من يمتنع ، فلما اجتمعوا وفيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذهب عنهم الحزن ، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه ، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا ، فأقبل أبو سفيان وأصحابه حتى وقفوا بباب الشعب ، ثم أشرف عليهم ، فلما نظر المسلمون إليهم ، همّهم ذلك وظنّوا أنهم سوف يميلون عليهم فيقتلونهم ، فأنساهم هذا ما نالهم ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليس لهم أن يعلونا ، اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد في الأرض » [ 169 ] ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم فنزلوا سريعا « 3 » . لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ من الفتح والغنيمة وَلا ما أَصابَكُمْ ( ما ) في موضع خفض أي : ولا على ما أصابكم من القتل والهزيمة حين أنساكم ذلك هذا الغم ، وهمّكم ما أنتم فيه غما قد أصابكم قبل . فقال الفضل : ( لا ) صلة معناه : لكي تحزنوا على ما فاتكم وما أصابكم عقوبة لكم في خلافكم إياه ، وترككم المركز كقوله : لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ « 4 » .
--> ( 1 ) سورة الانشقاق : 24 . ( 2 ) الصحاح : 1 / 305 ، لسان العرب : 2 / 232 . ( 3 ) تاريخ الطبري : 2 / 201 - 202 . ( 4 ) سورة الحديد : 29 .